جولة تمتد لمسافة 1200 كيلومتراً في سوريا

زار فريق وكالة الأنباء البرازيلية العربية لمدة أسبوع المدن والمواقع التاريخية والدينية التي تأثرت بأضرار جسيمة بسبب الحرب في البلاد. دمشق هي موضوع التقرير الأول من سلسلة تنشرها الوكالة إبتداءاً من هذا الثلاثاء.

Alexandre Rocha
alexandre.rocha@anba.com.br

دمشق – دعت وزارة السياحة في سوريا صحفيين من جنسيات مختلفة لزيارة الدورة الحادية والستين لمعرض دمشق الدولي والمواقع الأثرية التاريخية والدينية التي لحق بها الدمار وأصابتها الأضرار خلال الحرب التي نشبت في البلاد منذ عام 2011. لمدة أسبوع بين أواخر شهر آب/أغسطس وأوائل أيلول/سبتمبر قامت مجموعة من مهنيي الصحافة أتوا من الأرجنتين وكوبا والعراق وسلطنة عمان وجمهورية التشيك، بالإضافة إلى وكالة أنبا من البرازيل، بجولة إمتدت لمسافة أكثر من 1200 كيلومتر من العاصمة، الواقعة في الجنوب الغربي من البلاد، إلى بلدان الداخل وإلى الساحل، في المنطقة الشمالية الغربية. تنشر الوكالة إعتباراً من يوم الثلاثاء (10) سلسلة من التقارير حول هذه الرحلة.

هدايا تذكارية تحمل صور الأسد وبوتين ونصر الله

للوصول إلى دمشق، حطت الطائرة في مطار بيروت، عاصمة لبنان، ومن ثم إستقلينا السيارة وعبرنا الحدود لنتابع السفر إلى العاصمة السورية، حيث أن عدداً قليلاً من شركات الطيران حالياً عادت إلى تشغيل رحلاتها التي تصل إلى مطار دمشق الدولي. يُـعدّ التواجد العسكري المكثف على الطرق السريعة وفي المدن بمثابة تذكير دائم بأنه لا تزال هناك صراعات قائمة في البلاد. في وقت الزيارة، كانت الصراعات دائرة في منطقة إدلب في الشمال الغربي من سوريا.

في المناطق المركزية من دمشق، لا تظهر آثار وعلامات الحرب واضحة للعيان منذ الوهلة الأولى، لكن أينما وجهت الأنظار تصادف أحداً يرتدي الزي العسكري. ملصقات صور الرئيس بشار الأسد منتشرة في كل مكان، وكذلك ألوان العلم السوري. كما توجد وجوه حلفاء الحكومة السورية مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزعيم حركة حزب الله اللبناني حسن نصر الله في كل مكان، حتى على الهدايا التذكارية.

لا تزال العاصمة تعج بالإزدحام وحركة السير فيها كثيفة، ويتجول الكثير من الناس في المناطق التجارية الشعبية، مثل سوق الحميدية، وهو مركز التسوق الأكثر شهرة في المدينة. كانت آخر مرة زار فيها فريق الوكالة مدينة دمشق في أواخر عام 2010، أي قبل أشهر قليلة من بداية الحرب.

التراث

جندي سوري في دورية على مدخل سوق الحميدية في دمشق

تــُـعتبر دمشق واحدة من أقدم المدن في العالم المأهولة بالسكان بشكل متواصل، ويضم مركزها التاريخي آثاراً لحضارات عديدة ومتنوعة، مثل أنقاض معبد جوبيتر من عصر الإمبراطورية الرومانية؛ جامع بني أمية الكبير (الصورة في الأعلى)، الذي بُني في القرن الثامن ميلادي خلال الخلافة الأموية، ويُـعدّ مزاراً للمسلمين والمسيحيين على حد سواء، إذ أنه داخل حرم الجامع تصافح أعين الزائر قبة قائمة بين أعمدة الرواق الأوسط شرقي المحراب تضم تحتها مقام النبي “يحيى” أو ضريح رأس القديس “يوحنا المعمدان”.

وفي منطقة مجاورة لساحة المسجد، هناك مقام رأس الحسين، إبن علي والسيدة فاطمة الزهراء، وحفيد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ويُـقال أن رأس الحسين دُفن هناك أصلاً بعد مقتله في معركة كربلاء، العراق حالياً، في القرن السابع “ميلادي”. أدى مقتل الحسين إلى بلورة الإنشقاق بين المسلمين الشيعة والسنة. والمقام يحج إليه المسلمون الشيعة ويقع داخل جامع للمسلمين السنة.

وبجوار الجدار اليساري للجامع الأموي يقع ضريح السلطان صلاح الدين الأيوبي، البطل المسلم الذي إنتصر على الصليبيين في القرن الثاني عشر ميلادي. أسس الدولة الأيوبية وكانت السلطنة على عهده تضم مصر وسوريا وفلسطين وقسم من العراق الحالي ومنطقة الحجاز في شبه الجزيرة العربية، تقع حالياً في المملكة العربية السعودية، واليمن. وإلى جانب قبر صلاح الدين تم دفن جثمان العلامة الديني السني الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، الذي قـُـتِل عام 2013 في دمشق، خلال الحرب السورية.

دمشق القديمة مليئة بالقصور ودور الضيافة والحمامات والأسواق، وهي محاطة جزئياً بسور من العصور الوسطى كان له سبعة أبواب. من أبرز معالم دمشق القديمة من عهد الأمويين نذكر القصر الأموي الذي تحول إلى مطعم ومسرح لعروض الرقصات الصوفية. والتصوف نهج روحي، يُـعدّ طريقة باطنية داخل الإسلام، وممثلوه الأكثر شهرة هم الدراويش الدوّارون، والذين من خلال مزيج من الموسيقى والرقص والصلاة يصلون إلى حالة من النشوة الدينية. قبل الحرب، كان يأتي الكثير من الدراويش ومن جميع أنحاء العالم لعرض فنهم، ولكن توقفوا عن المجيء مؤخراً، إستناداً إلى شهادة المترددين على المطعم.

(تابع بعد مجموعة الصوّر)

تتعايش الآثار من العصور القديمة والعصور الوسطى مع الآثار التي تعود إلى الحقبة العثمانية، وما زال البعض منها يحتفظ بوظائفه الأصلية، مثل الحمامات الشامية والأسواق المحيطة بالمسجد الأموي.

يعتبر المركز التاريخي لدمشق موقعاً للتراث العالمي حسب تصنيف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ومنذ عام 2013، اُضيف الموقع إلى قائمة الخطر في المنظمة بسبب الحرب.

تــُـعدّ السياحة نشاطاً مهماً جداً للاقتصاد السوري. ووفقاً لوزير السياحة محمد رامي رضوان مارتيني، استقبلت البلاد 9 ملايين زائر في عام 2010، أي قبل عام من بدء الصراع. خلال الحرب، إستناداً إلى أقوال الوزير، تم إقفال 258 ألف مركز عمل مرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بقطاع السياحة.

أفاد اثنان من المرشدين السياحيين الذين رافقوا الصحفيين خلال رحلتهم أنهم قضوا السنوات الثماني الأخيرة دون عمل ثابت، يعيشون من العمالة غير الدائمة، وعلى مساعدات يتلقونها من الأقارب والأصدقاء، بما في ذلك معارف لهم من البرازيل، ومن بيع ممتلكاتهم ومقتنياتهم شخصية.

حالة ذهول وفزع

صارح بعض سكان دمشق فريق وكالة الأنباء البرازيلية العربية أنهم عاشوا فترات من الخوف والحرمان. خلال الحرب، تمترست جماعات مسلحة في ضواحي العاصمة وبدأت تقصف من هناك قنابل الهاون على وسط المدينة. إنفجرت قذيفة أمام مبنى السفارة البرازيلية في أوائل العام الماضي، قبل أن يعلن الجيش السوري استعادة السيطرة على ضواحي وأرياف دمشق في شهر أيار/مايو 2018، بعد القضاء على آخر معاقل الدولة الإسلامية التي كان هدفها إقامة خلافة إسلامية في المنطقة.

تقيم البرازيلية مارسيلا جاك في دمشق مع زوجها السوري وطفلين، طفلة في العاشرة من عمرها وصبي يبلغ من العمر عام ونصف. وقالت لنا “عندما بدأت الأحداث فعلياً في عام 2012، مع سماع دوي الإنفجارات في المدينة، شعرت بالخوف”. قررت مارسيلا العودة إلى البرازيل مع ابنتها – لم يكن الصبي قد وُلد بعد – وبقيت هناك لمدة سنة تقريباً حتى نهاية عام 2013، بينما ظل زوجها في سوريا، حيث يعمل كموظف في سفارة. وأضافت “كان الأمر معقدا للغاية، دبابات تجوب الشوارع ومروحيات وطائرات عسكرية تحلق فوقها”. وأكدت البرازيلية مارسيلا أن قذيفتان سقطتا بالقرب من المكان التي كانت تتواجد فيه، الأولى إنفجرت أمام مبنى حكومي والثانية بالقرب من سوق الحميدية.

اشتد القتال في المناطق المحيطة بدمشق وشهد السكان إطلاق نار ليلي كثيف في سماء المدينة. وعانى السكان من إنقطاع شبه مستمر للتيار الكهربائي، وكذلك تقنين الوقود، بما في ذلك الوقود المستخدم للتدفئة، كما عانت عملة البلاد (الليرة السورية) من انخفاض حاد في قيمتها.

(تابع بعد مجموعة الصوّر)

في ضواحي دمشق، كانت نتائج الحرب مذهلة. مناطق بأكملها مثل زملكا وحرستا ودوما في حالة خراب تام، أصبحت حقيقة مدن أشباح.

الطرق السريعة المفتوحة الآن لحركة المرور كانت مغلقة أثناء النزاعات. إستقل فريق الوكالة السيارة وأخذ واحدة من هذه الطرق الذي اُعيد فتحها، متوجهاً إلى معلولا وصيدنايا، من أعرق الحواضر المسيحية في المشرق العربي والتي تحتوي على الكثير من المعالم المسيحية المقدسة، ستكون موضوع تقريرنا لهذا الأربعاء (11).

* لبى فريق وكالة الأنباء البرازيلية العربية دعوة من وزارة السياحة في سوريا والتي تكفلت مشكورة بنفقات الإقامة.

* ترجمة جورج فائز خوري

Alexandre Rocha/ANBA
Alexandre Rocha/ANBA

منشورات ذات صلة