بقلم وليد يوسف العرة
في عالم التجارة الدولية الذي يزداد ترابطًا وتطلباً، لم يعُد التنافس على المستوى العالمي يعتمد فقط على الطاقة الإنتاجية أو الجودة أو السعر. بل إن النفاذ إلى أسواق جديدة بات يتطلب أيضًا فهمًا عميقًا لمتطلبات المستهلكين على اختلافهم، واستيفاء اشتراطات محددة، وقبل كل شيء، القدرة على بناء جسور الثقة بين الشركات والدول والثقافات.
في هذا السياق تحديدًا، تكتسب شهادة الحلال أبعادًا استراتيجية متزايدة الأهمية بالنسبة للبرازيل.
فبعد أن كانت معايير “الحلال” مرتبطة تاريخيًا بالبروتينات الحيوانية فحسب، أصبحت اليوم تغطي منظومة اقتصادية أوسع بكثير. إذ تشمل الأغذية المصنّعة، والمكونات، والسكر، والحبوب، ومستحضرات التجميل، والمنتجات الصيدلانية، والكيماويات، وغيرها من سلاسل الإنتاج التي تشكّل بيئة متكاملة تربط الصناعات بالمستهلكين في مختلف أنحاء العالم.
إن “الحلال” ليس مجرد شرط ديني أو إجرائي، بل هو لغة دولية موحدة للثقة والامتثال، قادرة على التقريب بين أسواق ذات خصائص ثقافية وتنظيمية وتجارية متنوعة.
من مجرد شرط إلى استراتيجية للتوسع الدولي
نجحت البرازيل عبر عقود طويلة في ترسيخ مكانة بارزة كمورّد رئيسي للدول العربية وللأسواق ذات الأغلبية المسلمة. ولم يكن هذا الإنجاز وليد الطاقة الإنتاجية الضخمة للبرازيل فحسب، بل جاء أيضًا نتيجة قدرة قطاعها الصناعي على التكيف مع متطلبات وتطلعات الأسواق المستهدفة.
واليوم، تلوح في الأفق مرحلة جديدة.
فبالنسبة للشركات التي تطمح إلى توسيع نطاق حضورها الدولي، لا ينبغي أن يقتصر التساؤل على: “هل نحتاج إلى شهادة الحلال؟”، بل يجب أن يمتد ليكون: “ما هي الأسواق التي نستهدف النمو فيها، وكيف نعدّ شركاتنا لدخولها؟”.
فعند إدماج معايير الحلال ضمن خطط التدويل والتوسع الخارجي، تتاح للشركات فرصة التعرف المسبق على الاشتراطات المطلوبة، وتقييم المواد الخام، والموردين، والعمليات التشغيلية، والتخزين، والخدمات اللوجستية، وآليات الرقابة الداخلية.
وبذلك، تتحول الشهادة من مجرد تلبية لطلب زبون معين، إلى عنصر أساسي ضمن استراتيجية متكاملة لتعزيز التنافسية، وتنويع الوجهات، والتوسع على الساحة الدولية.
جسر من الثقة
تتجاوز قضية الحلال أبعاد العمليات الصناعية إلى أفق أرحب.
ففي الطرف الآخر من أي عملية تجارية، يقف مستهلك يحتاج إلى الاطمئنان ليس فقط على السلعة ذاتها، بل على السلسلة الإنتاجية بأكملها التي أوصلت المنتج إليه.
وبالنسبة للمستهلك المسلم، تحمل هذه الثقة أبعادًا دينية وثقافية جوهرية. وفي الوقت ذاته، فإن المعايير المرتبطة بالتتبع، والشفافية، والنزاهة، والرقابة على العمليات تتقاطع مع تطلعات تتزايد حضورًا حتى لدى المستهلكين غير المسلمين.
ومن ثم، فإن العمل في هذا المجال يتطلب ما هو أكثر من مجرد إصدار الشهادات؛ إذ يستلزم معرفة تقنية واسعة، وفهمًا ثقافيًا عميقًا، وبناء علاقات مؤسسية قوية، وقدرة على استيعاب الأطر التنظيمية المتباينة.
وفي هذا الملتقى تحديدًا، تبرز أهمية شهادة الحلال كجسر يتصل بين القدرة الإنتاجية البرازيلية من جهة، والعالم العربي وسائر الأسواق المستهلكة للمنتجات الحلال من جهة أخرى.
وهو جسر لا بد أن يُبنى على أسس متينة من المصداقية.
قطاع يشهد تحولاً جذريًا
يمر قطاع الحلال نفسه بمرحلة تحول عميقة.
فالاقتصاد العالمي أصبح أكثر إتاحة وحرفية واشتراطًا من الناحية التقنية. وتعمل الدول المستوردة على تعزيز أنظمتها للحياد، والاعتماد، والإشراف، بينما تكتشف قطاعات صناعية وفئات منتجات جديدة الفرص الواعدة في هذه الأسواق.
هذا التطور يتطلب بدوره جيلاً جديدًا من هيئات التصديق.
وفي “سيديال حلال ” (CDIAL Halal)، نُواكب هذا التوجه من خلال عملية تطوير مؤسسي قائمة على الحوكمة، والاحترافية، والتكنولوجيا، والجودة، والاعتراف الدولي، وتنمية الكفاءات الجديدة.
ولا يقتصر الأمر على مجرد مواكبة نمو السوق، بل يمتد إلى إعداد المؤسسة لتلبية المتطلبات التي ستشكل ملامح اقتصاد الحلال في السنوات القادمة.
ويعني ذلك توثيق الروابط مع الهيئات والأسواق الدولية، والمتابعة المستمرة لتطور المعايير وأنظمة الاعتماد، وتوسيع نطاق الخبرات لتشمل مختلف سلاسل الإنتاج، فضلاً عن تقديم بنية متطورة للشركات البرازيلية تتلاءم مع طبيعة البيئة العالمية الأكثر تعقيدًا.
إن رؤيتنا تؤكد أن هيئة التصديق الحديثة لا ينبغي أن تكون مجرد محطة أخيرة في عملية التصدير، بل يجب أن تفهم مسار التوسع الدولي للشركات، وتُسهم في إعدادها لدخول الأسواق بأمان، وموثوقية، ومصداقية.
المرحلة المقبلة للحلال البرازيلي
في عالم التجارة الخارجية، تمثل الثقة قيمة اقتصادية قائمة بذاتها.
تملك البرازيل بالفعل حجمًا إنتاجيًا ضخمًا، وتنوعًا صناعيًا، وعلاقات تجارية تاريخية مع العالم العربي. وتتمثل الخطوة التالية في تحويل نقاط القوة هذه إلى حضور أكثر تنوعًا في اقتصاد الحلال العالمي، عبر تهيئة شركات ومنتجات وقطاعات جديدة للمنافسة على المستويين الإقليمي والدولي.
وعليه، فإن مستقبل الحلال البرازيلي لن يُبنى فقط على زيادة حجم الصادرات، بل سيعتمد أيضًا على القدرة على إضفاء الثقة والمعرفة والذكاء التجاري على العلاقات الاقتصادية.
في ضوء هذا المشهد، تؤدي شهادة الحلال دورًا يتجاوز المنتج في حد ذاته؛ إذ تقرّب الثقافات، وتترجم المتطلبات، وتختزل المسافات، وتربط الشركات بأسواق جديدة.
بالنسبة لـ “سيديال حلال”، فإن التطور جنباً إلى جنب مع هذه السوق يعني تحمل المسؤولية للمساهمة في جعل القدرة الإنتاجية البرازيلية تجد في العالم العربي وبقية أسواق الحلال شركاء حقيقيين يَرون في البرازيل مورّدًا موثوقًا، ومستعدًا، ومواكباً للمتطلبات الحديثة للاقتصاد العالمي.
وهذا هو الجسر الذي نصرّ على مواصلة بنائه.
* وليد يوسف العُرة هو المدير التنفيذي لشركة CDIAL Halal للتصديق الحلال.
إن الآراء الواردة في المقال مسؤولية الكاتب.


