ساو باولو – يشهد السيناريو الدولي الراهن تحديات متزايدة، في ظل تحولات تؤثر في سلاسل الإمداد والعلاقات بين الدول. وفي هذا السياق، ينبغي للبرازيل والدول العربية تعزيز شراكاتها، وفقاً لآراء عدد من المسؤولين الذين تحدثوا في افتتاح المنتدى الاقتصادي العربي البرازيلي، الذي تنظمه الغرفة التجارية العربية البرازيلية، اليوم الثلاثاء (25 أغسطس 2026)، في فندق رينيسانس بمدينة ساو باولو.
وقال وزير الخارجية البرازيلي، ماورو فييرا، في رسالة مصورة وجهها إلى المشاركين في المنتدى، الذي يجمع ممثلين عن البرازيل والدول العربية: “في هذه المرحلة الراهنة التي تتسم بعدم اليقين، يكتسب تعزيز التحالف بين البرازيل والدول العربية، بدعم من القطاع الخاص، أهمية مضاعفة باعتباره مجالاً للتعاون وتعزيز التنمية. إن شراكتنا لا تثير الإعجاب فقط لما تنطوي عليه من إمكانات قابلة للاستثمار، بل إنها تستند بالفعل إلى قاعدة راسخة”. وكان الوزير في زيارة دبلوماسية إلى جنوب أفريقيا.

وقال فييرا إن المشهد الراهن يولد توترات على الصعيد الدبلوماسي، ويؤدي إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، ويقوض التجارة الدولية، ويعرض ازدهار الدول للخطر. وأضاف: “في هذه المرحلة الصعبة بالنسبة إلى النظام الدولي والدبلوماسية التقليدية، وفي ظل هذا الكم من التهديدات المتزامنة التي تواجه الحوكمة والأمن والسلام، تمثل منتديات من هذا النوع أفضل استجابة لتعزيز الحوار وبناء شراكات جديدة”.
ومن جانبه، تحدث الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، أيضاً عبر رسالة مصورة، عن العلاقات بين البرازيل والعالم العربي في السياق الراهن. وقال: “ينعقد منتدى هذا العام في مرحلة بالغة الأهمية، يشهد فيها الاقتصاد العالمي تحولات متسارعة تعيد رسم خريطة التجارة والاستثمارات وسلاسل الإمداد، الأمر الذي يدفع الدول والتكتلات الاقتصادية إلى إعادة تقييم شراكاتها التقليدية وتنويع أسواقها ومصادر إمداداتها”.

وأضاف فهمي: “ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن أجندة جديدة للعلاقات العربية البرازيلية ينبغي أن يعني زيادة حجم التجارة القائمة ودفعها نحو شراكة اقتصادية أعمق تشمل قطاعات واعدة ومتنوعة”. واقترح أن تشكل الأرقام القوية للتجارة بين الجانبين نقطة انطلاق لمرحلة جديدة، من خلال شراكات تخلق قيمة مشتركة عبر الاستثمارات المشتركة، ونقل التكنولوجيا، وربط سلاسل القيمة بين المنطقتين.
وقال وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري، أحمد رستم، في رسالة مصورة أيضاً، إن المنتدى ينعقد في لحظة حاسمة بالنسبة إلى الاقتصاد والتاريخ العالميين. وقال: “في الوقت الذي يمر فيه العالم بتحولات هيكلية عميقة تعيد صياغة سلاسل إمدادات الطاقة والهندسة المالية، تتحمل منطقتانا مسؤولية فريدة، كما تتاح أمامهما فرصة غير مسبوقة لبناء شراكة استراتيجية مستدامة”.
وأشار رستم إلى التحولات الجيو-اقتصادية، والضرورات المناخية، والتغيرات التكنولوجية باعتبارها جزءاً من هذا التحول، وقال إن ذلك يستدعي تجاوز التجارة باتجاه تحالفات متكاملة ومرنة ومهيأة للمستقبل. وفي هذا السياق، تحدث عن مصالح بلاده قائلاً: “إن مصر مستعدة للاضطلاع بدور جسر رئيسي يربط أمريكا اللاتينية والبرازيل بالأسواق العربية والأفريقية”.

وفي افتتاح الفعالية، تحدث رئيس الغرفة التجارية العربية البرازيلية، وليام أديب ديب، عن الجهود المبذولة لتعزيز التجارة بين البرازيل والدول العربية في ظل التحديات الراهنة. وقال: “في بداية العام، فوجئنا جميعاً بنشوب صراعات في منطقة الخليج، وقد شعر العالم بأسره بتداعياتها. وعلى مدى الأشهر التالية، أسهمت قدرة قطاع الأعمال الزراعية البرازيلي، وسلاسل الأسمدة العربية، والأنظمة اللوجستية الدولية في الحد من آثار الأزمة”.
وأشار ديب إلى أرقام التجارة، موضحاً أن الصادرات البرازيلية إلى السوق العربية بلغت 11.26 مليار دولار في الفترة من يناير إلى يوليو، بزيادة قدرها 3.71%، في حين بلغت الصادرات العربية إلى البرازيل 6.13 مليار دولار، بزيادة قدرها 12.22%. وقال إنه يتعين مواصلة التقدم، مضيفاً: “لكن العلاقات الثنائية، رغم ما تظهره من قدرة على الصمود والحيوية، لا تزال تنطوي على إمكانات كبيرة لم تُستثمر بعد”. واقترح زيادة صادرات المنتجات الصناعية، والتعاون في مجال الطاقة النظيفة وإزالة الكربون، والتكامل في مجال الابتكار والسياحة، وغيرها من المجالات.
وأكدت أمينة العلاقات الدولية في بلدية ساو باولو، أنجيلا غاندرا، أهمية الجالية العربية في ساو باولو، ليس فقط من حيث تأثيرها الثقافي، بل باعتبارها من بناة اقتصاد المدينة ومجتمعها، وقالت: “كم من العرب اختاروا ساو باولو موطناً لهم، وأسهموا معنا في بناء هذه المدينة”. وأضافت: “يسعدنا استضافة هذا المنتدى في ساو باولو، لأن ساو باولو مكان مناسب لممارسة الأعمال”.

وتذكر السفير كليليو نيفالدو كريبا، مدير إدارة الشرق الأوسط بوزارة الخارجية البرازيلية، في كلمته، أن العلاقات بين البرازيل والدول العربية بدأت منذ عهد الإمبراطور البرازيلي دوم بيدرو الثاني، عندما زار منطقة الشرق الأوسط. وأشار إلى أن البرازيل تستضيف اليوم 18 بعثة دبلوماسية لدول عربية، إلى جانب وجود 18 بعثة برازيلية في العالم العربي، في إطار تبادل مثمر، وإن كان بالإمكان تطويره بصورة أكبر.
وقال: “نطمح إلى تحقيق نتائج أكثر طموحاً من خلال تنويع قائمة الصادرات”، مشيراً إلى أن زيادة التبادلات التجارية ينبغي أن تقودها أيضاً قطاعات مثل التكنولوجيا وصناعة الطيران والفضاء. وأضاف: “تبدأ التحديات بتطوير فرص مشتركة”.

وركز الأمين العام لاتحاد الغرف العربية، خالد حنفي، في كلمته على التعاون بين البرازيل والدول العربية للانتقال بالعلاقات إلى مرحلة تتجاوز الصادرات والواردات. وقال: “رغم أننا نعيش مرحلة صعبة، إلاّ أن هذا لا يلغي ضرورة إعادة النظر في القواعد الاقتصادية والجيوسياسية العالمية”. وأوضح أن الشراكة بين البرازيل والدول العربية ينبغي أن تقوم على المزايا التعاونية، وليس على المزايا النسبية بين الدول. وأضاف: “لقد تغيرت الدول العربية كثيراً خلال السنوات الأخيرة. تغير الناس والاستثمارات في التكنولوجيا والخدمات اللوجستية. لقد تغير كل شيء كثيراً، وعلى البرازيل أن تدرك ذلك، لأن البرازيل دولة عملاقة وقائدة في أمريكا اللاتينية”. ودعا البرازيل وشركاءها العرب إلى إنشاء مشروع تعاوني يستجيب لمتطلبات الاقتصاد الجديد.
سلط عميد مجلس السفراء العرب في البرازيل وسفير المغرب لدى برازيليا، نبيل الدغوغي، الضوء على عدد من الملفات ذات الأولوية في أجندة الدول العربية مع البرازيل، والتي يمكن من خلالها خلق فرص واتخاذ إجراءات بناءة. وقال: “الارتقاء بعلاقاتنا مع البرازيل إلى أفق أوسع، وبناء شراكات أكثر تنوعاً واستدامة”. وذكر من بين الأولويات إنشاء خط بحري مباشر لنقل البضائع، وتعزيز الإطار القانوني لإبرام اتفاقيات تزيل العقبات أمام الاستثمارات والأعمال، والأمن الغذائي، ورقمنة عمليات التصدير والاستيراد، والشراكات في مجال البحوث الأكاديمية.

وفي ختام كلمته، تحدث الأمين العام لجامعة الدول العربية أيضاً عن فلسطين، قائلاً إنه لا يمكنه تناول موضوع التنمية والاستثمار دون التطرق إليها. وقال فهمي: “لا يسعني إلا أن أشدد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وأن أذكر بالتحديات الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية الخطيرة التي يواجهها، ولا سيما الدمار واسع النطاق الذي أثر في جميع جوانب الحياة خلال السنوات الأخيرة”، معرباً عن تقديره لمواقف البرازيل تجاه الشعب الفلسطيني.

ويرعى هذا المنتدى، الذي تنظمه الغرفة التجارية العربية البرازيلية، كل من”فامبراس حلال”، و”أكاديمية الحلال العالمية” (International Halal Academy)، و”فالي” (Vale)، و”موانئ دبي العالمية” (DP World)، و”سيديال حلال” (Cdial Halal)، و”بنك أبو ظبي الأول”، و”شركة إم بي آر إف العالمية للأغذية” (MBRF Global Foods Company) و”الخطوط الجوية القطرية”، و”MZAH Group Investment”. كما يحظى المنتدى بدعم مؤسسي من جامعة الدول العربية واتحاد الغرف العربية واتحاد الصناعات في ولاية باهيا البرازيلية. وينظم المنتدى بالشراكة مع شركة “Cacilda Aragão Tours” للسياحة والسفر.
*ترجمه من البرتغالية: معين رياض العيّا


