فريدريكو جوزيه جيرفاسيو أبو رشيد*
تُعرف البرازيل بكونها الدولة ذات التنوع البيولوجي الأكبر في العالم. فبفضل مساحتها الشاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، وغناها بالموارد المائية والمعدنية، تجمع البلاد بين إمكانات هائلة لإقامة المحميات الطبيعية وتقديم الخدمات البيئية الفريدة. يضاف إلى ذلك سوق استهلاكية داخلية تتجاوز 210 ملايين نسمة. وبشكل متزايد، أصبحت البرازيل دولة محورية في إستراتيجيات التنويع الدولي لرؤوس الأموال، لا سيما الاستثمارات العربية المرتبطة بمجالات الاستدامة وخفض الانبعاثات الكربونية.
تاريخياً، ارتبطت القوة الاقتصادية والحضور الجيوسياسي للبرازيل بثرواتها الجيولوجية الشاسعة، مثل الاحتياطيات المعدنية، والزخم الحاضر حول العناصر الأرضية النادرة، فضلاً عن غابات الأمازون التي تشتهر بكونها «رئة العالم». غير أن الحافز العالمي المتزايد للتحول نحو اقتصاد منخفض الكربون قد وضع البلاد في صدارة المشهد كقوة عظمى في مجال جديد: الأصول البيئية.
وبعيداً عن الجوانب الحفظية (حماية البيئة) التي تتطلب اهتماماً عالمياً كاملاً، فإن الإمكانات الاقتصادية للخدمات البيئية للأصول البرازيلية تلفت الأنظار بوضوح.
إن الأرقام التي ترسم ملامح هذا المشهد مذهلة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن حجم التجارة العالمية المرتبطة بالكربون والحلول القائمة على الطبيعة قد يتجاوز 300 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2050. وتتوقع التقارير الصادرة بشأن هذه الحلول، والتحول نحو الحياد الصفري، نمواً متسارعاً لأسواق الكربون بشقيها الطوعي والتنظيمي خلال العقود القادمة.
وبفضل تنوعها البيولوجي وقدرتها على الحفاظ على الموارد الطبيعية واستغلالها بشكل مستدام، تمتلك البرازيل المقومات الإستراتيجية للاستحواذ على نحو 20% من هذه السوق العالمية. وحتى نهاية هذا العقد (2030) فقط، تمتلك إيرادات البلاد من ائتمانات الكربون مقومات الوصول إلى رقم استثنائي يُقدر بـ 120 مليار دولار أمريكي. وتأتي هذه البيانات ضمن دراسة نشرتها غرفة التجارة الدولية في البرازيل (ICC Brasil) بالتعاون مع شركة الاستشارات (WayCarbon) بعنوان «فرص البرازيل في أسواق الكربون»، 2023).
وكما يتضح، فإن الأنظمة البيئية البرازيلية، وحماية الغابات، وممارسات الاستدامة — سواء الناتجة عن القطاع الزراعي، أو تلك المرتبطة بأجندات الحوكمة والمسؤولية الاجتماعية والبيئية (ESG) في القطاع الصناعي — لم تعد مجرد إرث طبيعي، بل تحولت إلى أصول اقتصادية ذات سيولة وقيمة مضافة عالية جداً.
الأطر المؤسسية وتعزيز سوق إزالة الكربون
وتتأكد درجة النضج والجاذبية لهذه السوق الجديدة من خلال التحركات المؤسسية والتنظيمية الأخيرة للدولة البرازيلية؛ حيث تواصل وزارة المالية التقدم بخطوات حثيثة في صياغة «التصنيف المستدام البرازيل” وتضع هذه الآلية معايير قائمة على أسس علمية دقيقة لتصنيف الأنشطة الاقتصادية التي تعزز الاستدامة والتخفيف من آثار التغير المناخي بفاعلية. ويهدف هذا الإجراء بشكل أساسي إلى توجيه تدفقات رؤوس الأموال بشفافية، مما يمنح المستثمرين المحليين والأجانب بيئة أكثر أماناً لتحفيز السوق المالية الخضراء.
وفي الاتجاه نفسه، في يوليو 2026، أطلقت الأمانة الاستثنائية لسوق الكربون بوزارة المالية “دليل الأصول البيئية”، بهدف التعريف بالأدوات الاقتصادية-البيئية المتاحة للشركات والمُنتجين والمجتمعات والمستثمرين، لتوليد الإيرادات، وجذب رؤوس الأموال، وتقليل التكاليف، وإثبات الالتزام بالأهداف البيئية، وزيادة التنافسية في الأسواق.
وتتكامل هذه التحركات مع أدوات أخرى ضمن «خطة التحول البيئي» التي تنسقها وزارة المالية، والتي عبّأت بالفعل عشرات المليارات من الريالات عبر برنامج (Eco Invest Brasil)، واستقطبت مليارات الدولارات من خلال السندات السيادية المستدامة، فضلاً عن التوسع الكبير في موارد «صندوق المناخ»؛ مما يبعث بإشارات واضحة للمستثمر الدولي بأن الإطار التنظيمي البرازيلي يشهد ترسيخاً متسارعاً.
وبالموازاة مع ذلك، يتخذ حشد التمويل العام المهيكل طابعاً قوياً. ومن الأمثلة على ذلك إطلاق المرحلة الجديدة من برنامج (Pró-Floresta+) بواسطة البنك الوطني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والذي يهدف إلى حشد ما يصل إلى 6 مليارات ريال في شكل ائتمان لسوق الكربون، بهدف استصلاح 60 ألف هكتار من الأراضي المتدهورة. ويتعلق الأمر بالربط المباشر والمُموَّل بين الاستصلاح البيئي — مما يقلل من الالتزامات المالية في العقارات الريفية — والترخيص البيئي والاجتماعي، والطلب المؤسسي الدولي على إزالة الكربون.
رأس المال العربي والخليجي في البرازيل
هذا الحراك لم يمر دون أن يلاحظه رأس المال في الشرق الأوسط. إذ تعد الصناديق السيادية العربية اليوم من بين أكبر المستثمرين المؤسسيين في العالم، حيث تدير أصولاً بمليارات الدولارات، وأصبحت البرازيل بالفعل على رادار العديد منها بسبب حجمها الاقتصادي وعلاقاتها التجارية والثقافية التاريخية مع الدول العربية.
وتوضح بعض التحركات الملموسة هذا التقارب؛ فقد بدأت شركات إدارة الأموال البرازيلية المخصصة لمشاريع إزالة الكربون مؤخراً في فتح دفاتر/مكاتب تمثيلية في الإمارات العربية المتحدة، تحديداً لجمع الأموال من الصناديق السيادية في الشرق الأوسط المهتمة بتمويل مشاريع استعادة الغابات وتوليد أئتمانات الكربون في البلاد. كما ضخت صناديق مرتبطة بأبوظبي رؤوس أموال هامة في أصول البنية التحتية للطاقة في البرازيل، بما في ذلك الاستثمارات الموجهة لتوليد الطاقة النظيفة لتقليل البصمة الكربونية للعمليات الصناعية داخل الأراضي الوطنية.
بالنسبة للجالية العربية-البرازيلية وللشركات التي تربطها علاقات تجارية مع دول الخليج، يمثل هذا المشهد فرصة مضاعفة: من ناحية، إمكانية الوساطة وهيكلة الأعمال بين رأس المال العربي والأصول البيئية البرازيلية؛ ومن ناحية أخرى، وضع العمليات الخاصة — سواء كانت زراعية أو صناعية أو خدمية — ضمن هذا الاقتصاد الجديد منخفض الكربون، مما يضيف قيمة وجاذبية لشركاء الشرق الأوسط الذين يتجهون بشكل متزايد وفق معايير ESG.
المتطلب الإستراتيجي للأمان القانوني والفني
بالنسبة للمستثمرين، وصناديق الملكية الخاصة، والشركات التي تسعى لهيكلة أجنداتها الخاصة بالحوكمة والمسؤولية الاجتماعية والبيئية (ESG)، أو شراء ائتمانات خفض الانبعاثات الكربونية، أو حتى المضاربة في هذه السوق، فإن الشغف بالآفاق المالية الفريدة يجب أن يُشفَع بانضباط صارم.
فالعمل في هذا النظام البيئي يتطلب التنقل عبر شبكة معقدة تبدأ من الترخيص البيئي والاجتماعي، مروراً بالتوافق مع القواعد الدستورية وقواعد الامتثال — بما في ذلك الشهادات الدولية — وصولاً إلى القانون الإداري والتعاقدي المطبق نفسه.
يجب على المستثمرين ورواد الأعمال البحث عن هيكلة آمنة في أعمالهم القانونية، للحد من الشكوك والخسائر على المدى القصير والمتوسط والطويل. على سبيل المثال لا الحصر، فإن النقاشات المحتملة حول ملكية الأئتمانات، وحوكمة الأراضي، ومخاطر الاحتساب المزدوج، وإمكانية التتبع، ليست سوى بعض التحديات. وهنا تبرز الحاجة إلى الاستشارة القانونية والفنية المؤهلة — وفي حالة رأس المال الأجنبي، الاستشارة التي تمتلك دراية كاملة بالإطار التنظيمي البرازيلي وبخلفيات الامتثال الخاصة التي يتطلبها المستثمرون الدوليون.
على مدار أكثر من 20 عاماً من العمل في المحاماة البيئية، ومساعدة الهيئات العامة والخاصة من مختلف القطاعات، حددنا بالفعل ثغرات خطيرة في عمليات الفحص النافي للجهالة وعقود الأصول المختلفة، بالإضافة إلى تراخيص بيئية مشكوك فيها. وقد منع هذا التدخل عملاءنا من خسارة استثماراتهم، مؤمناً لهم الضمانات اللازمة. وبدون استشارة خبيرة ومؤهلة، يمكن أن يتحول مشهد الفرص المذهلة إلى هاوية من الخسائر.
إن التجربة العملية عبر مختلف الأجندات الحكومية، إلى جانب المشاركة النشطة في النقاشات القطاعية والقرب من الجالية العربية-البرازيلية، تسمح لنا بالتأكيد على أن اللحظة فريدة وواعدة بحق. تقدم البرازيل نفسها كـ “إلدورادو” (أرض الفرص) جديد في الأصول البيئية المربحة والمفيدة في الوقت نفسه للتخفيف من التغيرات المناخية والحفاظ على البيئة. ومع ذلك، فإن الحذر والخبرة الفنية والقانونية المؤهلة أمور ضرورية لكل من يرغب في المشاركة في هذه السوق بأمان.
بالنسبة للمستثمرين والشركات، سواء كانت عربية أو برازيلية أو من أي جنسية أخرى، الذين يدرسون دخول هذه السوق، فإن التوجيه القانوني والفني المتخصص منذ مرحلة الهيكلة — الفحص النافي للجهالة والحوكمة التعاقدية — غالباً ما يكون هو الفاصل بين اقتناص هذه الفرص بأمان أو وراثة التزامات مالية خفية.
فريدريكو جوزيه جيرفاسيو أبو رشيد هو محامٍ وشريك في مكتب “أبو رشيد للمحاماة والاستشارات القانونية”، وطالب دكتوراه* في القانون الدستوري بـ “معهد برازيليا للقانون العام”، والرئيس السابق لـ «المؤسسة اللبنانية بولاية ميناس جيرايس”.
إن الأفكار الواردة في المقالات هي مسؤولية المؤلفين


