ساو باولو – لطالما كان مطبخ الجدة مساحةً للاكتشاف بالنسبة للبرازيلية كاتيا سلوم، البالغة من العمر 55 عامًا. ففي سنوات مراهقتها، اعتادت أن تشارك جدتها في طقس عائلي مميز يتمثل في إعداد زيوت الزيتون المنكّهة بالأعشاب. وقد حملت الجدة، ماريا عيسى سلوم، هذا التقليد معها من سوريا إلى البرازيل، بعد أن تعلمته من والدتها، عندما هاجرت برفقة زوجها، بلميرو جواو سلوم.

وما بدأ كهواية تحول لاحقًا إلى مهنة بالنسبة لكاتيا، التي أسست متجرًا إلكترونيًا يحمل اسم “كوخن للزيوت المنكّهة” (Kochen Azeites Saborizados)، والمتخصص في بيع الزيوت النباتية المنكّهة. ومنذ ذلك الحين، وصلت منتجاتها إلى ما يقارب عشرين ولاية برازيلية، كما حصدت عددًا من الجوائز الدولية.
وتقول رائدة الأعمال: “وصلت جدتي إلى البرازيل وهي في سن الشباب، وتأقلمت مع حياتها الجديدة، وأسست أسرتها هنا. وكان من أكثر الأمور التي أحبّت القيام بها إعداد الزيوت المنكّهة لأفراد العائلة. وكانت الوصفات تتغير بحسب فصول السنة، لكنها كانت تعتمد دائمًا على مجموعة من الأعشاب، مثل إكليل الجبل، والريحان، والأوريغانو، والميرمية”.
وُلدت كاتيا في مدينة فيسبازيانو بولاية ميناس جيرايس، وبدأت ترافق جدتها في إعداد هذه الزيوت عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها. وتستذكر تلك المرحلة قائلة: “كانت جدتي تجفف الأعشاب طبيعيًا تحت أشعة الشمس، ثم تطحنها وتمزجها بزيت الزيتون. وبعد ذلك كانت تصفي الخليط، ثم تستكمل ملء الزجاجة بزيت الزيتون البكر الممتاز. إنها من أجمل الذكريات التي أحتفظ بها من سنوات شبابي”.
مسارات أخرى
في تلك الفترة، لم يكن فن الطهو سوى تقليد عائلي، بينما بدا أن المستقبل المهني لكاتيا سيسلك طريقًا مختلفًا، هو عالم الرقص. فقد احترفت الباليه الكلاسيكي، وتخرجت في تخصص التربية البدنية. وفي سن الرابعة عشرة افتتحت أول أكاديمية لتعليم الباليه والجاز.
كان الهدف خلال أسبوع البرنامج بيع خمسين زجاجة من الزيوت المنكّهة، لكنني أنهيت التحدي بعدما تمكنت من بيع 108 زجاجات
كاتيا سلوم
وتقول: «السوري، والعربي عمومًا، يحمل في داخله رغبة في العمل منذ سن مبكرة، ولهذا بدأت مشروعي وأنا لا أزال مراهقة. وقد ساعدني والدي في تأسيس الاستوديو الصغير، الذي أخذ ينمو تدريجيًا”. ومع مرور الوقت، توسع المشروع ليضم أكاديميتين للرقص.
وفي عام 2009، توقفت كاتيا مؤقتًا عن ممارسة نشاطها الخاص بعدما قبلت تولي منصب أمينة الثقافة في بلدية فيسبازيانو، وهو المنصب الذي شغلته لمدة ثمانية أعوام.
وعقب اعتزالها العمل الحكومي عام 2017، عادت إلى مشروعها الذي كان يُدار خلال تلك الفترة بواسطة مدير، غير أن فكرة إنشاء مشروع الزيوت المنكّهة وُلدت خلال مشاركتها في برنامج “إمبريتك” (Empretec)، وهو برنامج لتأهيل رواد الأعمال أنشأته منظمة الأمم المتحدة، ويقدمه في البرازيل جهاز دعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر (سيبراي)، وهناك قررت تحويل الفكرة إلى مشروع حقيقي.
وتقول: “كان الهدف خلال أسبوع البرنامج بيع خمسين زجاجة من الزيوت المنكّهة، لكنني أنهيت التحدي بعدما تمكنت من بيع 108 زجاجات”.
تأسيس الشركة
وبعد شهر واحد فقط، بدأ العملاء يطلبون المزيد من المنتجات، وسرعان ما تزايدت الطلبيات. وكانت الزجاجات تُقدَّم في البداية كهدايا بمناسبة التخرج وأعياد الميلاد، قبل أن تُعرض للبيع في أسواق الحي، حيث كانت الكميات تنفد خلال ساعات قليلة. وفي عام 2018، أسست شركتها رسميًا.

ومنذ ذلك الحين، واصلت تطوير خبراتها، فالتحقت بدورات متخصصة في تذوق زيت الزيت في إيطاليا وأوروغواي وأستراليا. وتضم الشركة اليوم نحو تسعين منتجًا، من بينها ما يقارب خمسةً وثلاثين نوعًا من زيوت الزيتون المنكّهة، إلى جانب أنواع مختلفة من المربيات والمشروبات الكحولية التقليدية (الليكور). أما المواد الخام، فتأتي من عدد من المنتجين في ولاية ميناس جيرايس، الذين تختارهم كاتيا بعناية وفق معايير دقيقة.
ولم تمض سوى سنوات قليلة على تأسيس الشركة حتى بدأت تحصد أولى الجوائز الدولية، ليصل رصيدها اليوم إلى أكثر من ثلاثين جائزة عالمية.
وتسوق شركة “كوخن” منتجاتها حاليًا في سبع عشرة ولاية برازيلية، كما أصبحت جاهزة لبدء عمليات التصدير، وتسعى إلى توسيع حضورها في الأسواق الدولية، ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية.
ورغم هذا النمو، تؤكد كاتيا أن أعظم ما تمتلكه الشركة لا يزال يتمثل في الإرث العائلي الذي ورثته عن جدتها. وتختتم حديثها قائلة: “لا بد أن تؤمن بمنتجك وبحكمة الأجداد إيمانًا راسخًا حتى تتمكن من تحويل تقليد عائلي إلى مشروع ناجح. وقلة فقط يمتلكون الشجاعة للقيام بذلك”.
هذا التقرير من إعداد ريبيكا فيتوري بالتعاون مع وكالة الأنباء العربية البرازيلية (أنبا)
*ترجمه من البرتغالية: معين رياض العيّا


